كنت ابحث في الارشيف الخاص بي عن مواضيع ومقالات حول العلاقات الجزائرية الفرنسية وعن جمعية 08 ماي 1945 فوجدت هذا المقال للصديق والزميل المرجوم خير الدين بوخريصة نشره بجريدة الجزائر نيوز : 10 – 05 – 2010 فاردت ان اعيد نشره في الموقع ليطلع عليه القارئ والمهتم متبوعا بالمقال (البورتري)حول المرحوم نشرته عند وفاته:

***** أي حوصلة تقديرية قد نستطيع اليوم تقديمها بعد كل هذه السنوات من العمل الحثيث والكلام والعرق المضني في محاولة لإقناع الآخر بصدق المعركة التي تبدو للبعض أنها تختلف، بواجب الذاكرة، كالدفاع عن ذاكرة أولئك ”الآهالي” الذين جئنا من نسلهم، لرؤية ولو بشائر ضئيلة لرغبة في استعادة هذه الذاكرة المسلوبة، الممزقة، المعتدى عليها والمحاطة بالإهمال، بعد 65 عاما من الذكريات المريرة، المليئة بالمرارة والحزن، التي تذكر بتلك الأيام السيئة التي شهدت ذهاب أرواح في سن الزهور من رجال ونساء وأطفال كانوا كسنابل تنمو، جزتها وحشية إثنية، إبادة عرقية، جريمة جماعية تحت سماء مفتوح، عمل حقير لا زال إلى اليوم بلا عقاب، ذكرى مخبأة، ولكن حية ينتفع طامعو الأمس واليوم من إبقائها في الظل· إن التذكير لضروري، (وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين) الذاريات: 55·

اليوم، نخلد أحداث ماي ,1945 وأما الاحتفال ففي مكان آخر، يذكرون فيه الشعب الجزائري بكل تشكيلاته والعالم أجمع، الحلفاء والخصوم بالذكريات المؤلمة لهذا الشهر، شهر الذاكرة، الشهر الذي شهد اندحارا جماعيا في سيول جامحة من الكراهية سببها مجموعات حاقدة، أكثر من 000,45 من أبنائنا وآبائنا وأمهاتنا، شهداء الله، ضحي بهم على مذبح الفظائع الاستعمارية، هذا الشهر الذي وضع مرة أخرى في طي النسيان، إستبدل بشهر التراث، وهو الذي أشعل فتيل الهوية الوطنية، وأيقظ الوعي التحرري، فاتحدت القوى الشعبية من أجل الوصول إلى حرب التحرير الوطنية، إلى تحرير أمة من القبضة الاستعمارية التي استمرت 132 عاما· تحت لواء الحرية، وراية سلام دائم بألوان الاستقلال، الأخضر والأبيض والأحمر، حملت بالأمس من طرف سعال، عائلة زياري والحفاف الذين قتلوا في أحد أيام ماي لأنهم تجرؤوا على تحدي القواعد الآثمة التي فرضها الاستعمار، فإننا اليوم نمتلك كل الحق لمطالبة فرنسا بالعدالة، أولا بإظهار التوبة وتحديد حجم الأضرار التي أحدثتها خلال قرن ونصف، بنفس المستوى الذي لم تتردد فيه لحظة بمطالبة ألمانيا بتعويض فتات من الألم عانت منه بموافقتها، فرنسا فيشي ألم تكن غالية؟إن فرنسا ستستفيد بشكل كبير إن أعادت النظر في سياستها الحالية، لأن نظام ساركوزي، الذي لا أمل فيه، يذكر مع بعض البريق بظلال ذكريات قديمة، يقود بشكل افتراضي معارك زائفة لن يستفيد منها إلا آخرون، على غرار العراق، فلسطين، الصحراء الغربية، تركيا، الجزائر وغيرها· على جزائر السياسيين، المفكرين، المثقفين والبرلمانيين وعن وعي تام إظهار الكرامة والسيادة والعزم على تحقيق السلام وتجسيد المصالحة الشاملة المنتظرة، مع الذاكرة أولا، التاريخ ومع الشعب بأكمله بعد ذلك، كما أنه من واجبنا أيضا المطالبة بالعدالة في الداخل قبل مطالبة الآخرين بها·هل يمكن أن نفكر لحظة واحدة في أن ننزع عن محمد بلوزداد حقه في أن يكون شهيدا، وهو أب التنظيم الخاصة (O.S) وقد توفي قبل 1954 لأنه كان في طليعة الثورة، ألا يصنف ضمن فئة الشهداء والمجاهدين؟ أم أن هذه الصفة امتياز لمن يختارهم النظام فقط، هل يمكننا أن نفكر لحظة في أولئك الذين سجنوا من قبل فرنسا خلال أحداث عام 1945 وقبعوا في السجون أكثر من 5 أو 6 سنوات وخرجوا منها قبل نوفمبر ,54 ألا يستحقون صفة مجاهدين؟ إنه من غير المعقول الإعتقاد بهذ، والاستمرار في الحفاظ عليه·ما المصير الذي نعده لسعال بوزيد، زياري، الحفاف وغيرهم ممن تلقوا رصاصا قاتلا خلال شهر ماي 1945 بسبب رفعهم الراية الوطنية والمطالبة بالإستقلال؟مشبعين بخطب كثيرة وجوفاء في نفس الوقت، ترددها بعض الأحزاب السياسية دون اتخاذ أي موقف، فإننا نحيي أولئك الذين فضلوا التحرك، إنهم يشعروننا بالإرتياح ويؤكدون المطالب المشروعة التي يسعى لتحقيقها شعب بأكمله، إننا نحيي صديقنا النائب ”موسى عبدي” لأنه تجرأ على تحدي فقدان الذاكرة والنسيان، حتى وإن لم يكافأ بقدر قيمته من قبل حزبه، لأنه فتح الباب أمامنا إلى طريق الشرف، إن قانون تجريم الاستعمار، كان ولا يزال مطلبا شعبيا ووطنيا، كل الشعب منضم إليه، وأية محاولة للقضاء عليه هي اعتداء على كل الشعب الجزائري· إننا نحيي كذلك التصرف البليغ الصادر عن حركة مجتمع السلم، حيث قام النائب ”بلقاسم قوادري” بإظهار دقة نظر وولاء تجاه ربه قبل أن يبديه تجاه الرجال، وذلك بالدفاع عن وضع إطار لشهداء عام ,1945 حيث قام بتقديم سؤال شفوي إلى وزير المجاهدين، داعيا إلى مراجعة النسخة القضائية لقانون المجاهد والشهيد، من أجل إدماج المنسيين من سنة 1945 كشهداء بشكل كامل، كما ليس لنا الحق أن ننسى المبادرة البرلمانية التي انفرد بها حزب العمال باقتراح يوم 8 ماي كيوم للذاكرة الوطنية بنفس المنوال الذي يكرس به اليوم العالمي للعمال، أي 1 ماي· كم من طريق سلكناه دون أن نحقق ولو القليل·صحيح أنه منذ الاستقلال، إستطعنا ونستطيع ترقيع تاريخنا تدريجيا وبكل موضوعية، فمن المؤسف أن النسخة الفرنسية من التاريخ الجزائري لا زال ينهل منها لتحرير كتابات عن سير ذاتية· ألم يحن الوقت لمؤرخينا، أو على الأقل أولئك الذين يسعون جاهدين لوضع أنفسهم في هذه الخانة، لكتابة ما حدث لاستعادة التوازن؟

إن جمعية 8 ماي ,1945 وبفضل الرجال الذين أسسوها، ووضعوها على السكة، أثروها بمساهماتهم الفكرية، وتضحياتهم وتفانيهم، قد نجحت اليوم بأن تضع في جدول مطالبها إنجازين كبيرين: ”قانون تجريم الاستعمار وبدايات مناقشة برلمانية بشأن شهدء عام ,”1945 والتي تهديها لمؤسسها الراحل البشير بومعزة، وليكتبها الله في حسناته·

***** بورتري ////

رحيل الصحفي والمؤرخ خير الدين بوخريصة :

مات الذي اقسم بان فرنسا لن تعترف اوتعتذر على جرائمها في حق الجزائر

 

بقلم / حفناوي بن عامر غول

صحفي وحقوقي

عضو جمعية 08 ماي 1945

النقال : 07.72.71.80.73 / 05.50.86.21.06

ghoulhafnaoui@yahoo.fr

 

    مات سي خير الدين …هذا النعي تلقيته عبر النقال من الأخ علي عقوني رئيس حزب الشعب الجزائري والذي قدم من فرنسا مباشرة حيث ألقى النظرة الأخيرة على الاستاذ خير الدين بوخريصة .مات خير الدين وهو الذي كان يؤكد لنا بأن فرنسا لا ولن تعتذر على جرائمها في حق الشعب الجزائري . ورغم فسحة الامل التي كانت عندنا والشعرة  التي كنّا نتمسك بها فان في موت خير الدين تكون الجزائر قد فقدت احد ابرز المطالبين بالاعتذار والساعين من اجل ان تعترف فرنسا بجرائمها، وسيتنفس القائمين على الاليزي الصعداء بغيبة المشاكس الذي اغضب فرنسا وحكامها وساسة الجزائر وبرلمانها ورؤساء احزابها عندما تجرأ ورفع صوته وصوت جمعية 18 ماي 1945 عاليا مطالبا بالحقيقة وليس غير الحقيقة  لانه كان يعتبر الصمت جريمة ضد الانسانية ويعتبر القانون الذي اقترحته الجمعية ويجرم الاستعمار مقترح مصيري وتاريخي مرتبط بحاضر ومستقبل الاجيال ،وهو مبادرة شعبية تأتي كرد فعل شعبي ضد فرنسا التي رتكبت اكبر جريمة في تاريخ البشرية وعليها ان تدفع ثمن ذلك.ومافتئ يؤكد بان الوقت جد مناسب لنحاسب فرنسا على عدوانها البغيض في حق الجزائر طيلة 132 سنة من الاجرام ونهب الخيرات والثروات .و رغم ذلك فانه رغم  المتغيرات الدولية وما تعرفه العلاقات بين بلدان ضفة المتوسط الا ان فرنسا مازالت تلعب على وتر ضعفنا وانقسامنا وخيانة البعض منا .وتتصرف مع الجزائر تاريخا وحكومة وشعبا بغباء وتنظر الينا بكبرياء وتتعامل مع مستعمرتها القديمة باستخفاف وتستهزء منّا .؟ ولما وهي ترى النظام الجزائر يتملص من مسؤولياته ويتجاهل الملف وكأن الامر لايعنيه ؟

   كان بوخريصة اخر العمالقة الراحلين مع سنة 2011  في عالم تغيرت خريطته وتبدلت منظومته لكن فرنسا مازالت على عادتها القديمة .كما مازال التعنت واللامبالاة يطبعان تصرف حكوماتنا المتعاقبة منذ 1962 الى غاية اليوم في التعامل مع الطرف الفرنسي – السيّد – خاصة في اعترافها بجرائمها في حق الشعب الجزائري طيلة قرن ونصف من الاستدمار ونصف قرن من الاستعلاء حيث لم يبقى الا اشهر على الاحتفال بالذكرى الخمسون للاستقلال.ولذلك كان سي بوخريصة يذكرنا دائما  بالصرخة المدوية التي اطلقها مصالي الحاج في رده على  دعاة الاندماج بان ( هذه الارض ليست للبيع) وكان في كل مرة يؤكد على موقف جمعية 08 ماي 1945 وموقفه و كل المخلصين والشرفاء بان الشعب الجزائري( لن ينسى وان تاريخه غير قابل للمساومة او المزايدة) وهو الذي خاطب السفير الفرنسي كزافيي دريانكور عندما دعاه لحضور احتفالات العيد الوطني الفرنسي المصادف لـ14 جويلية – ولأنه يرفض المداهنة والمهادنة – قال للسفير : (سنشارككم بكل سرور احتفال جمهوريتكم، لكن في اليوم الذي يقوم فيه أحد رؤساء جمهوريتكم – سواء كان من اليمين أو من اليسار أو حتى متطرف من أمثال لوبان وأتباعه- بوضع باقة من الزهور على قبر العربي بن مهيدي ويتوجه للشعب الجزائري، عبر ذاكرة شهدائه لطلب العفو والسماح بعدها يمكن لنا ان نراجع موقفنا…الا انه نظرا للخلاف الذي يعكر صفو العلاقات بيننا بسبب تعنت قاداتكم في الاعتراف بالجرائم التي اقترفتها فرنسا خلال 132 سنة ..فاننا لن نشارككم في الاحتفال ..) موضحا بانه ( إذا عرفت الثورة الفرنسية مسارا طويلا قصد تكريس حقوق الإنسان والديمقراطية، انطلاقا من استلام لاباستي مرورا بعيد الفيدرالية بعد الحرب العالمية الثانية كعيد وطني، أما ثورتنا نحن، فقد انتزعت بتضحية الملايين والجروح لم تضمد بعد) ليضيف (لقد كان من حقكم طلب ألمانيا النازية بتعويضات، التي سددتها لكم، فما ثمن الفرق بين أحداث ”فال ديف” ومجازر 8 ماي 45، دون ذكر سلسلة المجازر التي ميزت الحقبة الاستعمارية، والإزاحات والنفي وتقتيل عروش بكاملها والتجارب النووية وآثارها الوخيمة التي مازالت تحصد الضحايا إلى يومنا هذا) اليس هذا درسا لفرنسا وللمسارعين لتلبية الدعوى وهم يرون ارواح الشهداء مازالت ترفرف في سماء الجزائر مطالبه بالانصاف والقصاص العادل؟.

     مات خير الدين بوخريصة وفي قلبة غصّة من عدم اقتراح قانون يجرم فرنسا معيبا على البرلمان الجزائري الذي بقي جامدا باردا حيال الموضوع. وكما كان متأكد من الموقف السلبي لحكومتنا وبرلماننا في التعامل مع القضية كان سي خير الدين يؤكد دائما بأنه لن يرتاح قبل ان تعترف بفرنسا بجرائمها او يرفع ضدها دعوى ويتابعها على اقترافها إبادة في حق الشعب الجزائري طيلة قرن ونصف وكان يطالب الدولة بتقديم المساعدة لرفع دعاوي قضائية ضد فرنسا مستشهدا بالجمعيات الفرنسية لقدماء الحرب التي أجبرت البرلمان لإصدار قانون لتعويضهم . وبالفعل فقد تم إعداد ملف كنت مساهما فيه كناشط حقوقي لرفع دعوى قضائية ضد فرنسا ودعا بوخريصة المحامين الجزائريين والفرنسيين إلى الانضمام لهذه المبادرة وتقديم المساعدة القانونية للجمعية بعد جمعها لقرائن ودلائل تثبت التورط في جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في حق الجزائريين من خلال شهادات لمواطنين تعرضوا للتعذيب والبطش وملفا يتضمن شهادات للمحكوم عليهم بالإعدام من طرف الجيش والبوليس الفرنسي في الفترة الممتدة من 1945 الى 1962 وفي انتظار توثيقه كان ينتضر المغفور له تقديمه للقضاء الفرنسي.وقد اكد بان الهدف الاول لهذه المبادرة يتمثل في محاكمة تاريخية لفرنسا الاستعمارية وكرد على مسؤولينها من خلال اصدارهم لقانون العار المؤرخ في  23 فيفري 2005 الممجد للاستعمار ويبيض تاريخها الأسود في مستعمراتها السابقة ثم اعاد الاعتبار للخونة من الحرُُُكة والرفع من شأنهم نكاية في الامة الجزائرية التي احتقرها وداس على كرامتها .لكن بوخريصة مات وهو متأكد بان حلمه لن يتحقق مادام الفتى ساركوزي يتلاعب بتاريخ وماضي فرنسا الاستعماري ويستعمله كورقة سياسية للضغط . ولان الموت كان أسرع فان سي خير الدين رحل أيام قبيل اعتماد المجلس الوطني الفرنسي قانون يجرم إبادة الأتراك للأرمن. ولم تذهب تضحياته هكذا بعد ان انتصر له رجب طيب أردوغان ومرغ انف فرنسا في التراب وهو الذي وجه السؤال المحرج للرئيس نيكولا ساركوزي عندما قال له : ( اسأل والدك عن جرائم فرنسا في الجزائر وما اقترفتموه من إبادة في حق الأبرياء ).

   هذا هو الزميل الصحفي والصديق المناضل والمشاكس خير الدين بوخريصة الذي رحل عنا منذ اسبوعين. كان رئيس جمعية 08 ماي 1945 التي حمل مشعلها من المرحوم البشير بومعزة والذي أوصاه بالحفاظ عليها  كما همس في اذننا ذات يوما بمكتبه بمجلس الامة بان( هناك أيادي خفية لاتحب الخير للجزائر ولا تريد لها الاستقرار)؟ . ورغم النشاط الدؤوب والانشغالات كان سي خير الدين يأمل ان يحقق أربعة أهداف جعلها نصب عينه منذ ان استلم رئاسة الجمعية وهي إعادة الاعتبار لحزب الشعب الجزائري واعتبار مصالي الحاج الاب الروحي للثورة ولحزب الشعب الجزائري .وإدانة فرنسا وإجبارها على تقديم اعتذار رسمي عن جرائمها في حق الشعب الجزائري ثم اعتراف السلطات الجزائرية بضحايا أحداث الثامن ماي 1945 ومنحهم صفة الشهداء والتحقيق في ملف التفجيرات النووية حيث لاتزال آثار التجارب إلى اليوم .وتتمثل في الكثير من الأمراض الجلدية والبصرية، والولادات المشوهة، وحالات الإجهاض. محذرا من الوقوع في الفخ الفرنسي بعد قرار فرنسا تعويض ضحايا التجارب النووية في صحراء رقان  الذي يعتبره خديعة كبرى؟

   كان يتحصر مرارة وهو يرى القطيعة بين جيلي الثورة والاستقلال وكان يكثف من نشاطات الجمعية لمحاولة تعريف الشباب بتاريخ الجزائر المشرف وكان يمقت احتكار الاحتفالات بالذكريات التاريخية ويؤكد دائما بان الرسميين سرقوا التاريخ من العامة ويحذر من القطيعة وانفصال الشعب وخاصة الشباب عن تاريخهم المشرّف وماضيهم المجيد.فعزم على إخراج النشاطات الرسمية من العاصمة لان الجزائر هي كل المناطق بما فيها تلك المحرومة والمعزولة والتي يستنشق منها عبق النضال والمقاومة واختار مدينة قصر الشلالة حيث مقر اقامة مصالي ومنفاه الاختياري، فولى وجه الجمعية نحوها لإعادة الاعتبار لـ 19 فيفري سنة 1931 الذي كان فيه الميلاد الأول لأحداث سطيف وقالمة وخراطة .وقاوم كل الضغوطات واختار ثلة من المخلصين ليعبر بهم جغرافية الوطن في البحث عن تاريخ امتنا وكان الى جانبه الطاهر بن عيشة وارزقي باسطة وعلي عقوني وصالحي احمد ومنتصر وعبد الحفيظ لحول وعبد السلام العامري وبسعود دحمان وكل أولائك المناضلين والمتعاطفين والبسطاء من احباب حزب الشعب الجزائري والمنخرطين في الحركة الوطنية التي أعادت بعث الخريطة السياسية ومهدت لقيام ثورة المليون ونصف المليون من الشهداء .و كانت ملتقيات قصر الشلالة بحق الحد الفاصل بين المطالبة بالحقيقة كما هي او نسيان الماضي نهائيا .

كان ينظر الى تصريحات الساسة في فرنسا بحذر شديد وقد اعتبر اعتراف ساركوزي بأن ‘‘النظام الاستعماري، كان بمثابة نظام غير إنساني وغير عادل’’، يعد تطورا وتكملة لتصريح سابق أدلى به سفير فرنسا السابق بالجزائر الذي صرح من سطيف، بأن نفس هذا النظام، كان بمثابة ’’نظام غير إنساني’’ ويعتبر ان السفير تعمد زيارة مدينة سطيف وهو الغير مرحب به فيها رغم زيارته المتكررة لها واعترافه بان ماوقع في الثامن ماي 1945 مجزرة فهذا تناقض يضيف بوخريصة ؟ . ومن شدة الضحك كما اكد لي بوخريصة ان يقوم السفيران الفرنسي والبريطاني بالاعتراف بالتضحيات التي قدماء المحاربون القدامى ممن شاركوا الحرب العالمية الثانية في زيارتهم الى وهران ويؤكد بان اختيارهم لمدينة وهران ليس بالمصادفة بل هو من باب فتح الباب على مصراعيه امام مجرمي الحرب وقد سبقهم زيارات متعددة للاقدام السوداء والذين وجدوا من يرحب بهم . ولانه كان على اطلاع بكل كبيرة وصغيرة في تصريحات الطرف الاخر وفي التهرب من المسؤولية فقد وقف في وجه  وزير الخارجية الفرنسي كوشنير الذي قال لصحيفة ( جورنال دو ديمانش ): ‘‘ان العلاقات بين فرنسا والجزائر ستكون ربما اقل تعقيدا عندما يتنحى جيل الاستقلال عن السلطة في الجزائر ‘‘وحينما صمت الجميع خاصة الرسميون . رد بوخريصة على تعليق كوشنير بقوله ( ليكن في علمك ياسي كوشنير ان الجزائر مستقلة وذات سيادة ). وقال بانه على الشعب الفرنسي ان يتحرك لمحو عاره وعلى فرنسا ان تصلح تاريخها وتحسن صورتها امام العالم.

كما اعتبر بان حزب فرنسا – والذي اقر بوجوده – هو من يعرقل اعتراف فرنسا بماضيها البغيض ويقف حجر عثرة في طريق مقترح قانون تجريم الاستعمار ويؤكد بان حزب فرنسا ممثل من( اولئك الذين تربطهم علاقات مصلحية مع مستعمرة الامس  والذين يدافعون عن مصالحها حماية لمصالحهم وممتلكاتهم الموجودة على التراب الفرنسي ) ويعتبر ان من ابرز ممثليه ( مزدوجي الجنسية الذين يتولون مناصب سامية في الذين يعتبرون حقوقهم اتجاه الجزائر واجبات مقدسة تجاه فرنسا الأم ).ويضيف بان كل المقترحات التي قدمت سواء من طرف الجمعية او من غيرها قد رفضت او لم تجد اذانا صاغية بل واحيانا لامبالاة مسؤولينا خاصة مقترح القانون الذي تقدمت به جمعية 08 ماي الذي يعترف بالشهداء منذ سنة 1832 الى غاية الاستقلال متسائلا عمن ( يتحدّث عن جنود الأمير عبد القادر، المقراني، الحداد، وابطال المقاومات الشعبية ؟ من يتحدث عن المرحّلين إلى كاليدونيا… ضحايا 8 ماي بسطيف وقالمة ومالبو.. وغيرها من المناطق في مختلف القطر الوطني؟ هؤلاء الرموز الذين تستخدم أسماءهم للاحتفال كل سنة، لكن في المقابل نرفض تعويضهم، على الأقل الاعتراف بهم كشهداء بموجب القانون. وفي المقابل نجد أبناء المجاهدين يستحقون التقدير، لأنهم لا يشكلون فئة ثورية، آباؤهم هم من قدموا للثورة والدولة كافأتهم…) كما دعى الى اعادة تقنين المنح التي تصرف لابناء الشهداء وللمجاهدين وابنائهم لان الغالبية العظمى من الجزائريين تعاني الفقر واولاد الجزائر يموتون يوميا في عرض مياه البحر واعتقد انهم اولى بهذه الاموال ليؤكد بأن الشهداء الذين ضحوا في سبيل الوطن لم يسعوا الى مال او غنيمة ويجب ان نتجاوز لغة الخشب  مستغربا بأن الدولة الجزائرية تحتكر الثورة وتجعل لها حدودا وثمن دنيوي وامتيازات !

     وكما اغضب فرنسا وحكامها ، فقد اعتبره بعض ساستنا بانه  تجاوز حدود اللياقة واللباقة فقد اشتكى زياري لعبد القادر بن صالح من تصرفات بوخريصة – الاطار بمجلس الامة –  بعد ان سمح لنفسه بارسال بيانات شديدة اللهجة واخرى منددة بتصرفات اعضاء البرلمان من فاكس مجلس الامة وانتقاده لموقف مجلس زياري من مقترح قانون تجريم الاستعمار. ومن تهاون ( ممثلي الشعب ) في إصدار قانون يجرم فرنسا ! كما اطلق النار على وزارة المجاهدين وقال بان ( وزير المجاهدين وبعض رجال الساسة لديهم مصالح مع بعض الدوائر الفرنسية ) وكان قد وجه رسالة لرئيس الجمهورية يطالبه فيها ( بقطع الطريق أمام الخلاطين وتنحية الوزراء الفاشلين) كما فتح النار على الجهاز التنفيذي الذي حمله مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد. داعيا بوتفليقة( إلى اتخاذ المبادرة و الإسراع في إعادة هيكلة جذرية لحكومته، قبل فوات الأوان متهما جميع الوزراء بما فيهم الوزير الأول أحمد أويحيى بـرهن الأمة) .مؤكدا في رسالته بأن كل القطاعات فشلت و(ان الصحة في حالة سيئة والتضامن يرثى له، وثقافة بلا ثقافة، وفضائح الطاقة، وإصلاحات التربية المنهارة، ونظام التعليم العالي المرفوض، الفلاحة البور، والإعلام المسجون والتكوين الموقوف النفاذ، والسكن غير الإنساني… وحكومة بلا منشأ ولا رؤية واضحة ولا إستراتجية ) وخاطب  الرئيس  قائلا :(لقد ارتكبتم خطأ عندما وضعتم ثقتكم فيمن لا يستحقونها والنتائج حاضرة هنا للشهادة، والشجرة تعرف من ثمارها ) كما قال .

كما نال الافلان وعبد العزيز بلخادم جانب كبير من الانتقادات عندما اكد الامين العام للحزب العتيد في تصريح على هامش زيارة امين عام الرئاسة الفرنسية (بانه لاتوجد ازمة بين الجزائر وفرنسا) ليوضح بوخريصة في رد مقتضب ( ليعلم بلخادم بان فرنسا لازالت تتعامل مع الجزائر وكأنها ملحقة بالتراب الفرنسي  ) ويضيف بان ( بلخادم مصاب بالعمى السياسي )؟ لانه سبق لزعيم الافلان التصريح في زخم المعترك السياسي بان(الشعب الجزائري غير ناضج وغير جاهز للنظام البرلماني،) ويعيب عليه بوخريصة ذلك لانه: ( صادر عن حزب جبهة التحرير الذي من المفروض أن يحمل ذات القيم التي تبنّتها جبهة التحرير في الماضي من أجل تحرير الجزائر، إلا أنها حادت عن سياقها بسبب المصالح الضيّقة) ويضيف ( ما يؤلمني حقا، أن أسمع من الأمين العام للافلان هذه  العبارة التي قالها قبله الدكتور بن جلون في 7 جوان 1945 عندما قال لصحيفة ليبراسيون الفرنسية ‘‘إن الشعب الجزائري غير جاهز للاستقلال‘‘ إلا أن ثورة 1954 دحضت مقولته) .هذه مواقف ساستنا وخاصة الصادرة من حزب سليل جبهة التحرير الوطني .لكن السؤال المحرج ماذا كان سيكون رد سي بوخريصة على بلخادم وحنون وابوجرة عندما هوّنوا وحتى منهم من استنكر تصريحات اردوغان وبهدلته للرئيس ساركوزي الذي ذكره بجرائم فرنسا في الجزائر . لكن بوخريصة الذي بادر بإرسال 550 رسالة إلى أعضاء الغرفتين بخصوص ملف ضحايا الثامن ماي، و لم يتلق الإجابة إلا من نائب واحد .يدرك بان التيار قوي وبأن تاريخ الجزائر يمر عبر الاتجاه المعاكس والذي لايمكن لفرنسا وحزبها بالجزائر وابنائها الذين تركتهم ان يتساهلوا مع الخط الذي رسمه هو او بومعزة وضحى من اجله ملايين الشهداء . ويؤكد على جرأة بعض الفرنسيين  الذين كانوا اكثر مصداقية ووطنية من الجزائريين و لعبوا دورا في ادانة بلادهم والكشف عن وجهها الاستعماري حيث ساندوا الجزائر كما ساهموا في كشف كثير من القضايا الحساسة، مذكرا بالدور الذي لعبه (المؤرخ جون لوك اينودي الذي أماط اللثام عن أحداث أكتوبر 1961 في باريس، و الصحفية فلورانس بوجي، التي ساهمت بفضل مقالاتها في يومية لوموند، في جعل الرأي العام الفرنسي يكتشف أن الجيش الفرنسي مارس التعذيب ضد المجاهدين ) وأضاف بأن هناك ( مؤرخين فرنسيين طالبوا دولتهم بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبت في حق الشعب الجزائري منذ بداية الغزو الاستعماري… وحتى المؤرخ مارك فيرو ألف كتابا أسماه الكتاب الأسود للاستعمار. .. بالاضافة الى الدور الذي لعبه حملة الحقائب وهم مناضلون فرنسيون ساندوا الثورة الجزائرية )وهؤلاء يضيف بوخريصة يجب احترامهم بعد اعادتهم  بعث التاريخ  .

وبخصوص جمعية 08 ماي 1945 فهو يعتبر ان ميلادها منذ 22 سنة كان في ظروف حرجة ، وان (الأفكار التي كان يطرحها رئيسها الأول ومؤسسها بشير بومعزة، بمثابة الأفكار الرائدة التي فتحت المجال أمام وعي جديد بالمسألة التي تحولت اليوم إلى قضية وطنية، بعد أن كثـر النقاش والجدل ) وهي لحد الان ماتزال على نفس المنهج والمبادئ ولن تتوقف عن التنديد من اجل حماية الذاكرة التاريخية ومواجهة من يقللون بشأن المجازر ويفضلون تقزيمها ووضعها في خانة الاحداث. ووصف إحياء ذكرى مجازر فرنسا في حق الجزائريين بالمهرجانات مؤكدا بانه آن الأوان لكتابة تفاصيل مجازر 8 ماي 45 بصورة دقيقة وشاملة بعيدا عن المهرجانت متهما وزارة المجاهدين بتبديد الملايير في ملتقيات  لا فائدة من ورائها عوض اداء رسالتها المنوطة بها معاتبا على احتكارها ( كتابة التاريخ حسب الامزجة السياسية رغم وجود بعض الفاعلين الذين قدموا شهاداتهم )؟ . ويؤكد بان هناك تزييف وقع في التعامل مع الأحداث وان الجمعية لا ترى في الأمر مجرد احتفال لانها ترفضه وتفضل إحياء مجازر 8 ماي حتى لا يندثر تاريخها مع تقدم الأجيال .كما عمدت الجمعية ورئيسها الى مقاطعة الاحتفالات الرسمية لان ألم المجازر اكبر من اللقاء في الصالونات والقاعات المكيفة  . ويؤكد بوخريصة بان جمعية 8 ماي 45 وبفضل الرجال الذين أسسوها، ووضعوها على السكة، أثروها بمساهماتهم الفكرية، وتضحياتهم وتفانيهم، قد نجحت اليوم بأن تضع في جدول مطالبها إنجازات كبيرة تهديها لمؤسسها الراحل البشير بومعزة وليكتبها الله في حسناته·

وقد اقترح على السلطات صرف منحة للبطالين المتخرجين من المعاهد التاريخية وحتى الصحفيين في مقابل المساعدة في احصاء الضحايا وتدوين كل صغيرة وكبيرة في التاريخ محملا  النظام الجزائري المسؤول عن هذا الغياب ويقر بانه ربما يحاول التملّص من عبء إداري ومالي إضافي؟.  معتبرا ان الكثير من المؤرخين عمدوا لكتابة التاريخ طبقا لتوجيهات سياسية وطالب المؤرخين بصناعة مبادرات حقيقية لكتابة التاريخ بقوة ولصالح الثورة ومقاومات الشعب الجزائري وكتابته من مصادره من خلال شهادات من بقي احياء من المجاهدين مع إعادة قراءة التاريخ لان 80 % من الكتابات التاريخية حول الاحداث والجزائر مصدرها فرنسي وهو يعتبر ان مايقوم به ستورا مجرد مناورة وشبهه بالذي يحمل عصا كتابة التاريخ من الوسط  لانه لم يعترف بكل المجازر ويحمل في فكره خلفية استعمارية !

ورغم ذلك كان سي بوخريصة يأمل في ان يبادر رئيس الجمهورية بقانون لتجريم الاستعمار واكد في تصريح صحفي بان ( رئيس الجمهورية هو الوحيد القادر والذي يملك صلاحيات طلب الاعتذار) لكن حلمه لم يتحقق في حياته رغم تأكيده بان هناك عوامل كبيرة للضغط  على فرنسا بغرض تنقية الذاكرة المزدوجة من الشوائب، والتخلص من النسيان الذي يلف هذه الذاكرة، وليس في اتجاه قطع العلاقات معها حتى  نجبرها الرضوح للمطلب وهي صاغرة اهمها وجود علاقات تجارية واقتصادية بين البلدين وثقل الجالية الجزائرية في فرنسا وموقع الجزائر الجيواستراتيجي والموارد الضخمة بالاضافة الى البحبوحة المالية واستحواذ المؤسسات الفرنسية على 35% من الصفقات والمقدرة بملايير الدولارات .لكن قبل ذلك يؤكد بوخريصة على توفير السلطة للأجواء الملائمة التي تسبق طلب الاعتذار. وهو الشيء الذي لم استطع فهمه لا انا ولا المتتبعين .  وانما اقول للمرحوم بان ينم قرير العين فسوف يبعث الله للأمة الجزائرية من يجدد لها تاريخها ويرفع لها – نيفها – ويدافع عن كرامة الاحياء ويعيد الاعتبار للشهداء ويجبر فرنسا على الاعتذار ولو بعد الف سنة ونقول لابناء فرنسا واذنابها ان يوم عند ربكم كألف سنة مما تعدون .

 

وهكذا وبعد حياة مليئة بالنضال وصدق المسعى تتبدد احلام التعساء  كما تبددت احلام بوخريصة الذي اكد بأنه وجد نفسه وحده في الميدان ولا احد مهتم رغم ان احداث سطيف وقالمة وخراطة ومناطق اخرى لم تكن فوضى عرب كما تصفها المصادر الفرنسية وانما جريمة راح ضحيتها 45 الف شهيد . بعدما خرج مئات الآلاف من الجزائريين في هذا التاريخ إلى الشارع، لمطالبة فرنسا بالوفاء بوعدها بخصوص منح الاستقلال في حال قهر ألمانيا . الا ان الرصاص كان اسرع وحصد ارواح الابرياء. وقبل رحيله لخص سي خير الدين جهوده وجهد الجمعية في موضوع نشره بجريدة ( الجزائر نيوز) قال فيه : ‘‘أي حوصلة تقديرية قد نستطيع اليوم تقديمها بعد كل هذه السنوات من العمل الحثيث والكلام والعرق المضني في محاولة لإقناع الآخر بصدق المعركة التي تبدو للبعض أنها تختلف، بواجب الذاكرة، كالدفاع عن ذاكرة أولئك ”الآهالي” الذين جئنا من نسلهم، لرؤية ولو بشائر ضئيلة لرغبة في استعادة هذه الذاكرة المسلوبة، الممزقة، المعتدى عليها والمحاطة بالإهمال، بعد 65 عاما من الذكريات المريرة، المليئة بالمرارة والحزن، التي تذكر بتلك الأيام السيئة التي شهدت ذهاب أرواح في سن الزهور من رجال ونساء وأطفال كانوا كسنابل تنمو، جزتها وحشية إثنية، إبادة عرقية، جريمة جماعية تحت سماء مفتوح، عمل حقير لا زال إلى اليوم بلا عقاب، ذكرى مخبأة، ولكن حية ينتفع طامعو الأمس واليوم من إبقائها في الظل· إن التذكير لضروري، (وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين) ‘‘

وانني هنا اصرح وانا الذي عرفت سي بومعزة وبوخريصة عن قرب ، بانه لولا الخيانة لما كانت كل هاته المناورات .ولما تجرأ الرئيس الشاذلي بن جديد ببتر جزءا من النشيد الوطني ارضاءا لصديقه فرانسوا ميتران . وتأكدت ماقاله بوخريصة عن امتناع رجال السلطة في بلادنا من تسليم امور البلاد لابناء هذا الجيل. ولماذا يربطون دائما  كتابة التاريخ بالافراج عن الارشيف المتواجد عند فرنسا !